الصفحة الرئيسية >> الموضوعات >> ذلك مبلغهم من العلم .. أحلام الطبيب الخمسة

ذلك مبلغهم من العلم

أحلام الطبيب الخمسة

يقول أحدهم لقد حققت جميع أحلامي فبعد مشوار طويل من الدراسة في مراحل الثانوية والبكالوريوس والماجستير والدكتوراه وبعد فترة عمل اصبح لدي ما كنت احلم به واستطعت أن أحقق أحلام الطبيب الخمسة والتي تبدأ جميعها بحرف العين العروسة ، العيادة ، العمارة ، العزبة والعربية أو السيارة. ويبدوا إن هذا الطبيب قد نسي أن معظم أحلامه ماعدا العيادة يستطيع أن يحققها شخص آخر حتى لو كان جاهل دون الحاجة لقضاء فترة طويلة في العلم والدراسة و ما فيها من سهر الليالي ومشقة طلب العلم التي جعلها المصطفى صلوات الله عليه وسلم في منزلة الجهاد في سبيل الله. إذا اسمحوا لي أن اوجه رسالة لكل من قضى السنين متنقلا بين الكتب وقاعات المحاضرات ، لكل من سهر الليالي وهو يقراء ويتعلم ، لكل من امتزجت فرحته مع دموعه عند انتظار نتجة النجاح لكل سنه، أقول لكل هولا أنكم أصبحتم في منزلة عظيمة عند خالقكم وعند الناس فهلا جعلتم أحلاكم كبيرة وعظيمة تتوافق مع ما تحملون من علم ونور. إخواني الأطباء لقد ترك بعضنا أدوار عظيمة كان بالإمكان أن يقوم بها وخصص نفسه وفكره لفسيفسات من الدنيا. وليس معنى ذلك أن يرفض الطبيب أي خير أو عائد مادي يأتي له من عمله يعينه على حياته ويوفر له و لأهله حياة كريمة ويغنيه عن العمل في مجالات أخرى لان المجتمع يريد منه أن يتفرغ للطب والجديد فيه فقط ، بل إنني اشتكى لله بعض حكومات الدول العربية التي أجحفت حقوق العلماء و أهل العلم من المدرسيين والأطباء وغيرهم حتى وصل الراتب الشهري للطبيب في إحدى هذه الدول إلى ما يعادل ثلاث مائة ريال سعودي فقط الأمر الذي جعل بعض هولا الأطباء يشغل نفسه بأمور أخرى غير الطب حتى يستطيع أن يسد حاجته ومتطلبات أسرته وأولاده. و إنما أردت من رسالتي هذه أن أقول لأخواني الأطباء بان هناك أدوار عظيمة يستطيعون القيام بها يجد فيها المرء عزة وحلاوة ولا يحتقر فيها الجسم نفسه فما هي هذه الأدوار.

قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون

يقول أحد الصحابة إن كنت اطلب من ربي أن يمد في عمري فليس إلا لأمر واحد هو الجلوس في حلقات العلم. فالعلم مطلب عظيم ووسيلة لغاية الإنسان في هذه الدنيا ألا وهي معرفة خالقه والإيمان به. إذا فأول أمر أخي الطبيب لابد أن تدرك أن ما تحمله من علم هو نور أعطاه الله لك بعد أن كنت جاهلا لا تعلم شي يقول الله تعالى(والله أخرجكم من بطون امهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون). وانك بهذا العلم أصبحت اكثر قربا من المولى عز وجل، لقد علمت ما لم يعلمه الآخرون ألم تعلم حقائق وإبداعات المولى عز وجل في خلق الإنسان ألم تعلم كيف تعمل الأذن والعين ووظائف الجسم الأخرى ألم تجد في كل محاضرة طبية أنها محراب للأيمان بالله عز وجل ألم يتجسد فيك قول المولى عز وجل (إنما يخشى الله من عباده العلماء) أي أن العلماء هم اكثر خشية وخوف وقرب لله عز وجل لما علموه من إعجازا في خلق وتكوين الإنسان إن كانوا هولا العلماء من الأطباء مثلا. إذا فهذا هو أول حلم استطعت أن تحققه ألا وهو أصبحت من اكثر الناس معرفة لخالقك وكسبت مع هذا الحلم والهدف كل المزايا التي يجدها المرء عندما يزداد إيمانه من طمأنينة وراحة بال وسعادة و  أصبحت محصنا من أهواء النفس ووساويس الشيطان.

الأطباء والعمل الإسلامي

انك تعلم أخي الطبيب تمام العلم أن لكل عضو من أعضاء الجسم وظيفة مكونة بذلك وظائف أجهزة الجسم المختلفة والتي يؤدي كل منهما وظيفة للمحافظة على حياة كائن واحد هو الإنسان. فهل سالت نفسك عن وظيفة هذا الإنسان؟ هل خلق الله كل هذه الخلايا والأعضاء والأجهزة و أبدع في خلقهما وتكوينهما ليكون وظيفة الإنسان في النهاية مغنّي أو شاب سخر إذنيه لسماع الأغاني وعينيه للنظارة السوداء وجسمه لعرض الملابس في منظر يحتقر فيه الإنسان نفسه وتكاد الأعضاء تتفطر من داخله وتصرخ وتقول الهذا نحن نعمل. أم هل خلق الله الإنسان ليكون محصلا للمال ومتبعا لشهوات الفرج والبطن؟ لا والله بل خلق الله الإنسان لهدف وغاية عظيمة ، غاية استحق فيه الإنسان أن يميز عن الحيوان ولو كان خلق الله الإنسان لاتباع شهوات البطن والفرج لما كان هناك حاجة أن يميزه عن الحيوان ، فالحيوانات تستمتع هي الأخرى بشهوات اللعب والأكل والجنس. ولاشك أخي الطبيب انك تعرف الغاية العظيمة التي خلقنا من اجلها المولى عز وجل إنها العبادة بمفهومها الشمولي ، قال الله تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)..

وليس العبادة مقصورة على أركان الإسلام الخمسة من صلاة وصوم وزكاة وحج و إنما العبادة بمفهومها الشمولي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورفع الظلم عن المستضعفين والتفكر في ما خلق الخالق ونشر الإسلام وغيرها من الأعمال العظيمة التي تدرك فيها أعضاء الجسم المختلفة و ما فيها من إبداع و إتقان أنها صغيره أمام ما يقوم به هذا الإنسان من أعمال و أهداف جسيمة. تلك الحقيقة التي جعلت إنسان ورغم انه يملك كل ما نملك من أعضاء و أجهزة الجسم المختلفة إلا إن أعماله وفكره وتجرده لله وحده جعلته عند الله في مقام أمة بكل ما تحمله كلمة أمة من تعداد و أعمال انه سيدنا إبراهيم عليه وعلى سيدنا محمد افضل الصلاة والتسليم ، قال تعالى ( إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا )

إذا اسمح لي أخي الطبيب وبعد أن أصبحت عالما ومتعلما أن أدعوك إلى أسمى أنواع العبادة للمولى عز وجل انه العمل الإسلامي وهو ببساطه أن يكون هم الإسلام والمسلمين هو همك الأول وان تشارك مع إخوانك المسلمين في تحقيق رفعة الإسلام والمسلمين وذلك من خلال عملك فأنت تعلم كيف إن المسلمين اليوم اصبحوا متأخرين في مجال الطب بعد أن كانوا سادته وتعلم أخي الطبيب كيف أن آلاف المسلمين من الأطفال والشيوخ والنساء يموتون سنويا بإمراض استطاع غيرنا من الغرب القضاء عليها حتى أصبحنا نخاف على أنفسنا نحن معشر الأطباء ومن له مسؤولية بهذا الأمر من سؤال ربنا يوم القيامة عن ذنب هولا. و لا تنسى أخي الطبيب انك إذا كنت رسول الله في شفاء المرضى بإذنه من أمراض الجسم ونجاته من الآلام و أمراض الدنيا فلا تنسى أيضا انك مسؤول كأي مسلم آخر عن تبصير الإنسان بطريق الهداية والإسلام ونجاته من غضب الله وعذاب الآخرة واقصد بذلك تبصير أي مريض تراه انه منحرف عن طريق الإسلام ففي دعوتك له اثر كبير في نفسه ويكفيك أجرا قول المصطفى صلى الله عليه وسلم ( لأن يهدي الله بك رجل خير لك من حمر النعم).

أطباء المسلمين والدور المنتظر

إن كل مسلم على ثغرة من ثغور الإسلام فليحرص كل منا أن لا يؤتى الإسلام من قبله. لاشك أنك تدرك أخي الطبيب ما يتعرض له الإسلام والمسلمين اليوم من مؤامرات ومكايد يخطط ويقوم بها أعداء الإسلام والذين لا يريدون للمسلمين أن ينعموا بهذا المنهج الذي يحقق لهم رفاهية وسعادة الدنيا والآخرة كما اخبرنا بذلك المولى عز وجل (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير).

ولقد اصبح كل مسلم اليوم مطالب بدور كل حسب مجال عمله لنشر نور الله على أرضه والتخطيط والعمل لرفعة الإسلام والمسلمين ، وللأسف فان اكبر خطاء يرتكبه المسلمون اليوم هو عدم التخصص في خدمة الإسلام والمسلمين حيث يظن كثير من المسلمين أن خدمة الإسلام والعمل له لا يكون إلا عبر مجال واحد هو مجال خطباء المساجد وعلما الفقه والحديث رغم إن مجالات العمل الإسلامي كثيرة ومتنوعة من سياسة واقتصاد وطب وغيره واسمحوا لي أن اضرب مثالا بسيطا عن التخبط في مجال العمل الإسلامي وهو إنني أرى كثيرا مواقع الإنترنت مخصصة لنشر القران والأحاديث النبوية والفقه رغم إن أصحابها هم أساتذة او طلاب علم في مجالات أخرى كالزراعة والاقتصاد والتكنولوجيا والعلوم التربوية والصناعات وغيرها ، أليس من الأولى خدمة الإسلام والمسلمين في تخصيص مواقع كل حسب مجاله ، فنحن نفتقر اليوم إلى مواقع إسلامية مخصصة في علوم التغذية والجغرافيا والفلك والاقتصاد وغيرها، إذا نحن بحاجة إلى التخصص الدعوي الإلكتروني. أما في مجال الطب فحال المسلمين حالا محزنا يجعل المسؤولية على أطباء المسلمين اكبر واعظم ، فلا زلنا حتى اليوم نعتمد على الغرب في أدويتنا و لقاحتنا و أجهزتنا الطبية وحتى في مجال أبحاثنا واسمح لي أخي الطبيب أن اختتم موضعي هذا بان اذكر نفسي وإياك ببعض الأمور المنهجية في العمل الإسلامي الطبي:

>> أن تكون جميع أعمالنا كبيرها وصغيرها خالصة لوجه المولى عز وجل.

>> أن نطلب العون دائما من الله وان لا يسري إلا قلوبنا الكبر و الإعجاب بالنفس.

>> أن نحافظ على صلواتنا وان نرتقي بأخلاقنا بما يتناسب وعظمة ديننا الحنيف الذي نتمي إليه ، واعلم أخي الطبيب أن الأمم لا ترتقي بمال أو علم فقط إن لم يكن مصحوبا بتقوى و إيمان ودين حنيف صحيح هو الإسلام. لذلك نرى الله سبحانه وتعالى كيف ذم ودمر الأمم السابقة كقوم فرعون وعاد وثمود رغم كثرة النجاحات الدينوية التي حقوقها.

>> أن نحرص على تقوية أنفسنا إيمانيا وان نلم بفقه المسلم العادي فنحن مسلمين قبل أن نكون أطباء و أن نلم أيضا بفقه المريض وفقه الطبيب المسلم.

>> أن نحرص على تقوية أنفسنا علميا وذلك بالتخصص الدقيق ومواكبة التطورات العلمية والجديد في الطب فالطبيب الماهر المسلم خير من الطبيب الضعيف.

>> أن يكون دائما هم الإسلام والمسلمين بين أعيننا وان تكون أعمالنا دائما لرفعة ونشر الإسلام.

>> أن نسعى مع إخواننا والجهات المسؤولة على تقدم الطب والعلوم الطبية وصناعة الأدوية ومكافحة الأمراض في مجتمعنا الإسلامي وان نعيد للإسلام سيادته في هذا المجال.



إعداد : د. جمال عبد الله باصهي

 

جميع الحقوق محفوظة لدى شبكة البلسم للمعلومات الطبية والتثقيف الصحي