الصفحة الرئيسية >> الموضوعات

 

 كَمينٌ غَادر .. مِنْ أَحَد الزملاء  !!

 

 

 

بقلم د. عيسى زيدان المرزوقي
Izm53@hotmail.com


عند مدخل قسم الطوارئ، في مستشفى أجياد، وعلى بُعد أمتار قليلة من المسجد الحرام بمكة المكرَّمة .. تعرَّضتُ (لِكَمينٍ غادرٍ مُفاجئ) نَصَبه لي أحد الزملاء الأطباء !!
حَصَل ذلك خلال موسم الحجِّ الماضي (1427هـ)، إذ بينما كنتُ مُندمجاً بحوار هادئ ودود مع أحد الأخوة الحجَّاج، حيث شاهدتُه وهو يَهُمُّ بإشعال (سيجارة)، بعد خروجه من صلاة العِشاء في المسجد الحرام بمكة المكرَّمة !! فتقدَّمتُ نحوه وسلَّمتُ عليه مبتسماً، وعرَّفتُه بنفسي، واستأذنتُه بالتحدُّث إليه .. وكنتُ يومها من ضمن فريق العمل في برنامج مكافحة التدخين، التابع لوزارة الصحة، المكلَّف بتوعية حُجَّاج بيت الله الحرام بأضرار التدخين، وتعريفهم بمبادرة خادم الحرمين الشريفين، بأن تكون مكة المكرَّمة والمدينة المنوَّرة خاليتين من التبغ، وتشجيع الأخوة الحُجَّاج على انتهاز فرصة قدومهم إلى الديار المُقدَّسة لأداء مناسك الحج، للإقلاع عن التدخين نهائياً، توبةً إلى الله تعالى وطلباً لمرضاته،من جهة أولى، وحفظاً لصحتهم وصحة أطفالهم وذويهم ومن يُحيط بهم، وتوفيراً لأموالهم .. من جهة ثانية.
لقيتُ من ذلك الأخ الحاجّ استجابة طيِّبة، فخلال الوقت القصير الذي أمضيتُه بصحبته، (نُدردش) وأنا أمشي إلى جانبه في طريقه إلى حيث يَسْكن، ظَهَرَ لي أنَّه قَبِلَ النصيحة، واقتنع بما قلتُه له، فقد ألقى تلك (السيجارة) اللعينة .. وداسها بقدمه، وكنتُ على وشك إقناعه بالإقلاع نهائياً عن التدخين المُحرَّم، كنتُ أُحاورُه بأسلوبٍ لطيف، وبدافعٍ من المحبَّة الصادقة، وهو يُصغي إليَّ باهتمام واحترام .. وعندما حاذينا مدخل قسم الطوارئ في مستشفى أجياد، بالقرب من المسجد الحرام، توقَّفَ الرجلُ فجأة !! ووضَعَ يَدَه اليُسرى على كَتفي، ليقطعَ الحوار الذي كان يدور فيما بيني وبينه، وأشار بيده اليُمنى نحو مدخل قسم الطوارئ، بحركة مسرحية معبَّرة، وقد ارتسمَتْ على وجهه ملامح الحيرة والاستغراب ! فنظرتُ إلى الجهة التي أشارَ إليها بيده .. فأُسْـقِطَ في يدي، وأََحْسَسَتُ بطعنة غادرة أصابتني في الصميم !!!
استجمعتُ ما بقي لديَّ من قدرة على الصبر وتحمُّل الصدمات، وتوجَّهتُ صَوْبَ ذلك الزميل الطبيب الذي غَدَرَ بي، ربَّما دون قصدٍ منه، فهو لا يعرفني سابقاً ولا أعرفه !!
رأيتُه بلباس العمل الرسمي المميَّز للأطباء، وقد خَرَج (ليستريحَ) قليلاً، من عناء العمل الإنساني النبيل، الذي كُلِّفَ به من قِبَل وزارة الصحة، والمتمثِّل في تقديم الخدمات الطبية الاسعافية، لضيوف الرحمن، حُجَّاج بيت الله الحرام .. كان واقفاً بالقرب من مدخل قسم الطوارئ، وهو ينفثُ دُخانَ (سيجارته) في وجْهِ جُموع الحجيج، الذين كانوا يمرُّون من أمام المستشفى، وقد انصرفوا من صلاة العشاء، وكأنَّه يقولُ لهم، بلسان الحال:
ها أنا تركتُ عملي في قسم الطوارئ، وخرجتُ في الوقت (المناسب) لأقوم بواجب (المشاركة الفعَّالة)، مع زملائي العاملين في برنامج مكافحة التدخين، في الجهود التي يبذلونها لتوعية ضيوف الرحمن بـأضرار التدخين، وتشجيعهم بمختلف الطُرق والأساليب، لانتهاز فرصة رحلة الحج المقدَّسة، للإقلاع نهائياً عن تعاطي التبغ الخبيث المُحرَّم .. وربَّما كان ذلك الطبيب على عِلْمٍ بالمبادرة التي أطلقها خادمُ الحرمين الشريفين، بأنْ تكون مكة المكرَّمة والمدينة المنوَّرة خاليتين من التبغ .. فخرجَ طمعاً في نَيْل (شَـرف المُساهمة) في تحقيق تلك المبادرة الكريمة، بدافعٍ من (الشعور بالمسؤولية) !!!
قرأتُ كلَّ ذلك، في نمط لغة البدن، المُسـتهترة، التي كان يُعبِّرُ بها ذلك الطبيب، عن مدى (احترامه) لشَـرف المهنة التي يُفترض أنَّه يمثِّلُها، وأدركتُ فَحْوى رسالته (البليغة) التي يبعثُ بها، عن قصد أو من دون قصد، وذلك من خلال تلك (السَّـحْبَات) العميقة، التي كان يُدْخِلُ بها سُـمومَ التبغ اللعين إلى أعماق صدره .. على مرأى من جُموع الحجيج الذين كانوا يمرُّون به .. وكأنَّه يقول لهم: إنَّني أبعثُ إليكم برسائل توعية (مُعبِّرة ومُقْنِعة)، ولكنْ بطريقتي الخاصة !!!
أمَّا صاحبي الحاجّ، الذي تقبَّلَ نصيحتي .. ولم يَبْقَ بينه وبين القناعة التَّامَّة بترك التدخين، إلاَّ خطوات يسـيرة .. فقد انتهزَ فرصة (الكَمين الغادر) الذي أوقعني فيه زميلي (الطبيب !!)، فصافحني مُودِّعاً، وقد ارتسمتْ على وجهه ابتسامةٌ ذات مغزى !! وكأنَّه يقول لي من خلال تلك الابتسامة:
أمَّا أنا، فقد وصَلَتْني نصيحتُك، واقتنعتُ بها .. ولكن يبدو أنَّ هناك من هو أولى منِّي بنصيحتك .. عليك بزميلك الطبيب المُدخِّن .. فالأقربون أولى بالمعروف !!!
شعرتُ بالحرج الشديد، ووجدتُ نَفْسي في موقف لا أُحسـدُ عليه !! ولم أَجِدْ مخرجاً من هذا الموقف المُحرج، الذي زَجَّني فيه ذلك التصرَّف المُخْجِل .. أمام ذلك الأخ الحاجّ، المُحِقّ فيما قال، إلاَّ أنْ أُذكِّره بالآية الكريمة:
{ يا أيُّها الذين آمنوا عليكم أنْفُسَكُم لا يَضُرُّكُم مَنْ ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُم .. }
ثم توجَّهتُ نحو زميلي، الذي كان (ماهراً) في نصب كمينه (الغادر) في الوقت (المناسب)، وفي التوقيت (المناسب) أيضاً !!! .. وأنا لا أدري، كيف؟ ومِنْ أين؟ أبدأُ معه الحوار ؟!!
هل أُذكِّره بقدسية المكان والزمان، وبخطورة المُجاهرة بالتدخين، المُحرَّم شرعاً، بناءً على الفَتَاوى التي صدرت عن اللجنة الدائمة، وهيئة كبار العلماء، وجميع من يُعتدُّ بقوله من علماء المسلمين في مختلف بلدانهم .. بتحريم تعاطي التبغ بمختلف أنواعه وطُرق استعماله، وتحريم زراعته وتصنيعه وبيعه .. فكيف إذا كانت المُجاهرة بالتدخين بجوار بيت الله الحرام، وفي موسم التوبة والإنابة ؟!!
هل أُبيِّنُ له أضرار التدخين، وأنصحُه بالمحافظة على صحته .. وهو (طبيب!!) لديه من المعرفة بأضرار التدخين مثل الذي عندي، وربَّما (زاوَدَ) عليَّ في شرحها وبيانها .. !!! وهو الذي من واجبه تقديم النصيحة ومساعدة الآخرين ليُحافظوا على صحتهم ؟!!
هل أُعاتبه على هذا السلوك غير الصحي، وغير الصحيح، والمُخجل .. الذي لا يُقبلُ من عامَّة الناس، فضلاً عن الأطباء، الذين يُنظَرُ إليهم بكثير من القدير والاحترام، ويُعتَبَرونَ قدوة للآخرين ؟!!
هل أَرْمُقه بنظرة استهجان واستنكار لِمَا بَدَرَ منه، وأكتمُ مشاعرَ المرارة والأسى، التي وصلتْ إلى كلِّ ذرَّة من كياني، ثمَّ أمضي في طريقي، أخذاً بالمثل القائل:(مزمار الحي لا يُطرب ؟!).
كانت هذه الأفكار تدور في ذهني، وأنا أشقُّ طريقي بصعوبة، عبر سيل الحجيج الخارجين من المسجد الحرام .. قاصداً ذلك الزميل -أصلحني الله وإيَّاه- الذي عكَّرَ صَفْوَ الحوار الهادئ اللطيف، بكمينه المُفاجئ (الغادر) .. ولكنَّه أخذ (سحبةً) عميقة، وكأنَّه يُقَبِّلُ (مَعْشوقَتَه) مودِّعاً، ثمَّ ضمَّها بين طرفي الحلقة المكوَّنة من إبهامه وسبابته .. وألقى بها على الرصيف أمام مدخل قسم الطوارئ، وهي ما تزال مشتعلة، يتصاعد منها الدُخان المُشبع بالسموم !!
وانْكَفَتَ إلى داخل المستشفى، وهو ينفثُ ما تبقَّى في صدره من دُخانها .. مُسـتخفَّاً بكل مَنْ حوله من الحُجَّاج المرضى، الذين جاؤوا من شتَّى بلاد المسلمين، وفي أذهانهم صورة مثالية مُشرقة، عن الطبيب المُسْـلم، في رحاب الحرمين الشريفين !!!
هذا (الكمين الغادر)، الذي أسـهبتُ في بيان تفاصيله، لم يكن الوحيد، فقد تعرَّضتُ وزملائي أعضاء فريق العمل في برنامج مكافحة التدخين، للعديد من (الكمائن الغادرة )، التي نُصِبَتْ في طريقنا، مِنْ قِبَلِ بعض الأشخاص، الذين يمثِّلون عدة جهات رسمية، تقوم على خدمة ضيوف الرحمن .. وجعلتنا نشعر بالحرج الشديد، الممزوج بمشاعر المرارة والأسى !!
أردتُ من هذا المقال أن يكون بمثابة رسالة مفتوحة .. أبعثُ بها إلى جهتين:
أولاً- إلى كل مَنْ حَظِيَ، وسيحظى مستقبلاً، بشرف خدمة ضيوف الرحمن، على اختلاف مواقعهم، وإلى أصحاب القرار منهم بصورة خاصة، لأقول لهم:
هنيئاً لكم ذلك الشرف العظيم، بخدمة ضيوف الرحمن، حُجَّاج بيت الله الحرام، وإنِّي لأغبطكم على ذلك .. ولكنْ اسمحوا لي، أنْ أقترح عليكم ما يُضاعف حسناتكم، ويبقى لكم ذُخراً، تجدونه عندما تلقون ربَّكم .. ألا وهو حُسـن اختياركم للأشخاص الذين يقومون على خدمة ضيوف الرحمن، في مواسم الحج والعمرة، بأنْ يكونوا ممَّن يُقدِّرُ شرف المهمة التي أُوكلتْ إليه، وعِظم المسؤولية التي يتحمَّلُها، فيجعل من نفسه قدوة صالحة للآخرين، ويرسُـمُ بحُسْنِ خُلُقه وبسلوكه القويم، أجمل صورة في أذهان ضيوف الرحمن، عن البلد الحرام وأهله، ولا يتجرَّأ على نصب (الكمائن الغادرة) لزملائه وإخوانه الآخرين !!!
ثانياً- أبعثُ بهذه الرسالة المفتوحة إلى كل من يطَّلع عليها من الزملاء الأطباء (المدخِّنين !!)، وأرجو أن يتَّسعَ وقتُهم وصدرُهم لقراءتها بهدوء ورويَّة، وأنْ يُدركوا مغزاها، ويعملوا بفحواها، وأودُّ أن أقولَ لهم:
لقد شرَّفكم الله تعالى بمهنة إنسانية سامية، وبمكانة مرموقة بين الناس، جديرٌ بكم أن تفخروا بها .. وتكونوا أهلاً لها، وتحرصوا أشدَّ الحرص، على أن تكونوا قدوة صالحة، ومثالاً يُحتذى، وذلك بالتزامكم السلوك الصحي، والتصرُّف السليم .. وإذا اضطررتم لمخالفة ذلك النهج القويم، بسبب ظروف خاصة، تمرُّون بها، أو تمرُّ هي بكم، وكُلُّنا مُعَرَّضٌ لمثل تلك الظروف، فلا تُسوِّغوا لأنفسكم نَصْبَ (الكمائن الغادرة) لزملائكم، بقصد منكم أو بدون قصد! وأخيراً أودُّ أن أُذكِّر جميع الزملاء والأخوة المُدخنين، بالقاعدة التي تقول

 إذا ابْـتُـلـيـتُـم بـالـتَّـدخـيـن .. فَـاسْـتَـتِـروا !!!

مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة وسعادة الدارين.
 

مجلة البلسم عيادة البلسم كـتب البلسم
عودة للصفحة الرئيسية

رسالة شبكة البلسم الطبية العربية : نهدف من وراء هذا الموقع نشر الوعي الصحي والجديد في الطب وكل مايهم صحة الأسرة والمجتمع سائلين المولى عزوجل أن يرزقنا الأخلاص في العمل وقبول هذا العمل المتوأضع .أخوكم د. جمال عبدالله باصهي مؤسس والمدير الطبي لشبكة البلسم الطبية العربية

جميع الحقوق محفوظة لدى شبكة البلسم للمعلومات الطبية والتثقيف الصحي

1 1 1 1 1 1 1 1 1 1 1 1 1 1